توصلتُ بطلبٍ من زمالة بخصوص تقديم تأملاتي حول طبيعة الاستخدام القهري والإدماني للجنس والإباحية والاستمناء والخيال الجنسي (والتي سأشير إليها لاحقًا ببساطة بـ “الجنس”). وبصفتي طبيبة ومعالجة نفسية قَضَت العقدين الماضيين في علاج ودراسة المرضى الذين يعانون من الإدمان، فإنني أتشرف بتلبية هذا الطلب.
دعوني أبدأ بدحض الادعاءات غير المستنِدة إلى أسس علمية -والتي غالبًا ما يتبناها الأشخاص الذين يعانون من الإدمان أنفسهم- والتي تقول إنه لا يمكن أن يُصاب الإنسان بإدمان الجنس. أنا أرفض هذه الادعاءات للأسباب التالية.
إن الظواهر السلوكية لإدمان الجنس تشبه تمامًا الظواهر السلوكية لإدمان المواد المخدّرة كالأفيون والكوكايين والكحول. يبدأ الناس باستخدام المخدّرات من أجل المتعة أو لحلّ مشكلة ما. وإذا كان المخدّر فعّالًا على المدى القصير، فإن الشخص يعود لاستخدامه مرارًا وتكرارًا. (سأستخدم مصطلح “المخدّر” للإشارة إلى جميع أنواع المواد المُسكِرة، بما في ذلك الجنس).
ومع تكرار الاستخدام بمرور الوقت، ينشأ التَّعَوُّد، أي أن فعالية المخدّر تقل، ويحتاج الفرد إلى جرعات أكبر و/أو إلى أشكال شديدة الفعالية من المخدّر ليحصل على نفس التأثير. وفي حالة إدمان الجنس، يظهر التعوّد غالبًا في الصور التالية : استهلاك المزيد من الطاقة والوقت في السلوكيات الجنسية؛ اللجوء إلى أشكال أكثر انحرافًا (محرّمة ثقافيًا) من الجنس أو الإباحية أو الخيال لزيادة التأثير؛ استخدام أكثر خطورة، كأن يتم في ظروف أو طرق تشكّل تهديدًا مباشرًا للصحة أو المال أو العلاقات.
بالإضافة إلى ظاهرة التَّعَوُّد، يعاني الشخص المدمن من أعراض الانسحاب عندما يُقلّل أو يتوقف عن الاستخدام. إن الأعراض الشائعة عالميًا للانسحاب من أي مادة أو سلوك إدماني تشمل: القلق، العصبية، الأرق، الاكتئاب، واللهفة الشديدة. وتُعتبر هذه الحالات النفسية من السمات المعتادة في الأشخاص الذين يعانون من إدمان الجنس. وقد لاحظتُ عند بعض المرضى أيضًا أعراضًا جسدية للانسحاب.
وفي نهاية المطاف، يصل الفرد المدمن إلى مرحلة تُصبح فيها حالته “غير قابلة للإدارة”. ويظهر على المريض ما يعرف ب ٤ س
للإدمان وهي : فقدان السيطرة أثناء التعاطي ، ويبدأ في التعاطي بشكل قهري، يشعر بلهفة شديدة تجاه مُخدّره ، ويعاني من عواقب وخيمة في حياته، ومع ذلك يجد صعوبة كبيرة في التوقف.
وبعيدا عن أنماط السلوك المشتركة، جميع المواد المُحفزة للسلوك الإدماني – بما في ذلك الجنس- تؤثّر على نفس مسار المكافأة في الدماغ، وتستند إلى نفس الناقل العصبي المسؤول عن المكافأة، ألا وهو الدوبامين. تتسبب جميع المواد المحفزة في ارتفاع مفاجئ في مستوى الدوبامين. ومع التكرار المستمر لتعاطي أيٍّ من هذه المواد، يتكيف الدماغ مع المستويات المرتفعة المزمنة للدوبامين من خلال تقليل عدد مستقبلات الدوبامين، مما يؤدي إلى حالة من نقص الدوبامين في الدماغ.
في حالة النقص هذه، نحتاج إلى كميات أكبر وأكثر قوة من المادة المخدِّرة لمقاومة التكيّفات العصبية التي قام بها الدماغ ولنتمكن من الشعور بالمتعة. وعندما نتوقف عن التعاطي، نبدأ في الشعور بأعراض الانسحاب الشائعة. لقد قمنا فعليًا بتغيير نقطة التوازن لدينا بين المتعة والألم، وهكذا أصبحنا مدمنين. الدماغ المدمن لا يحتاج إلى سبب للاستمرار في التعاطي، فالدافع نحو استعادة التوازن الداخلي يكفي وحده لاستمرار هذه السلوكيات.
إدمان الجنس هو مرض ناتج عن التفاعل بين الدماغ والشخص والبيئة المحيطة به. نحن نعيش في زمنٍ لم يسبق فيه أن كانت كمية المواد الإدمانية، وتنوعها، وشدة تأثيرها بهذه الوفرة والخطورة.. فظهور الإنترنت، وبشكل خاص الهواتف الذكية التي تتيح الوصول المستمر وعلى مدار الساعة إلى الإباحية وشركاء الجنس، قد ساهم بشكل كبير في انتشار إدمان الجنس. كما أن اهتمامنا الثقافي بالجنس، إلى جانب الخطابات الثقافية التي تجعل العلاقات العابرة والجنس العرضي أمرا طبيعيا، جعل من الصعب تشخيص إدمان الجنس عندما يكون موجودًا بالفعل.
علاوة على ذلك، قد يحمل إدمان الجنس طبقة إضافية من الشعور بالخزي والعار. فالنشاط الجنسي الذي يحدث خارج إطار العلاقة الملتزِمة غالبًا ما يُرافقه شعور بالخيانة العاطفية وتدهور في الثقة الجوهرية للإنسان. ومن المفارقات أن إدمان الجنس لا يتعلق بالجنس نفسه، بل هو في حقيقته طريقة تكيّف سيئة وغير سليمة مع الضغوط والمشاعر.
وهذا يقودنا إلى سؤال: ماذا يمكننا أن نفعل حيال هذا الأمر؟
تشير مجموعة متزايدة من الأدلة العلمية إلى أن المشاركة الفاعلة في برامج الخطوات الاثنتي عشرة تساعد الناس على الوصول إلى التعافي من الإدمان. وقد شاهدتُ بنفسي خلال ممارستي الإكلينيكية حالات لأشخاص يعانون من إدمان جنسي شديد تمكنوا من دخول سكة التعافي بمساعدة برامج الخطوات الاثنتي عشرة مثل برنامج الزمالة.
ويبدأ التعافي من إدمان الجنس بالامتناع التام. ويعرّف برنامج الزمالة الامتناع بأنه: ” عدم ممارسة الجنس مع النفس (الاستمناء)، وعدم ممارسة الجنس خارج إطار العلاقة الملتزمة، وعدم مشاهدة المواد الإباحية.”
من منظور علم الأعصاب، يُعدّ الامتناع عن التعاطي ضروريًا لإتاحة الوقت الكافي لعودة التوازن الطبيعي للدوبامين. كما أن الامتناع ضروري لرؤية العلاقة الحقيقية بين السبب والنتيجة: فعندما نلهث وراء الدوبامين، نفقد قدرتنا على إدراك كيف يؤثر تعاطينا على حياتنا، وينحصر تركيزنا في الحصول على المادة التي نرغب بتعاطيها، ونعمى عن أي معلومات أخرى. يُشار إلى هذه الحالة أحيانًا بمصطلح ‘اختطاف الدماغ’. إن فترة من الامتناع تعيد إلينا القدرة على اتخاذ قرارات بناء على معلومات حقيقية.
لقد تعلمتُ من تجربتي مع المرضى أنهم يحتاجون أيضًا إلى الامتناع عن المحفزات والمثيرات التي تؤدي إلى سلوكهم الإدماني. في زمالة، يتم تعريف التحفيف على أنه سلوكيات “تمنحنا جرعة من مخدرنا وغالبًا ما تؤدي إلى فقدان الرصانة”. وهذا صحيح حرفيًا، إذ نعلم أن مجرد التذكير بالمخدر يمكن أن يُطلق الدوبامين في مسار المكافأة في الدماغ. ومن المهم أن نعرف أن الزيادة الطفيفة في الدوبامين الناتجة عن التعرض لإشارة مرتبطة بالمخدر تتبعها حالة من النقص الطفيف في الدوبامين. وهذا يشير إلى أن مجرد تعريض الدماغ لتذكير بسيط بالمخدر قد يُغرق الفرد في الحالة الفسيولوجية المرهقة التي تدفعه إلى الاستخدام القهري. ومن خلال الامتناع التام عن المحفزات / التحفيف، بما في ذلك الخيال واسترجاع اللحظات البهيجة جنسيا، يتجنب الفرد ألم الإدمان.
تساعدنا برامج الخطوات الاثنتي عشرة على الحفاظ على انتباهنا نحو التعافي بعدة طرق مختلفة. فهي توفر دعمًا عاطفيًا، وشبكة اجتماعية متزنة، وملاذًا آمنًا في أوقات الشدة. تعمل الزمالة أيضًا كمصدر لاسترجاع الذكريات، وذلك لتعويض عجز الدماغ عن تذكّر العواقب السلبية للتعاطي، لأننا نتذكّر اللذة الأولى، لكننا لا نتذكّر الألم الذي يتبعها مباشرة. ودورة القصص القديمة والجديدة داخل زمالة تُمكّننا من الاستفادة من ذاكرتنا الجماعية. وبتشجيعها على “الأمانة الصارمة”، تُحمّل الخطوات الاثنتا عشرة أعضاءها مسؤولية سلوكهم،
وفي الوقت ذاته تُوفّر لهم القبول والدعم وطريقًا واضحًا نحو التعافي لمواجهة تلك السلوكيات.
لكن الأهم من كل ذلك هو أن برامج الخطوات الاثنتي تعد أنها تُحقق حياة أفضل – حياة يُمكن للإنسان أن يعيش فيها سعادة حقيقية، واتصالًا أصيلًا، وازدهارًا إنسانيًا. وقد عبّر أعضاء زمالة عن تجربتهم في مسار التعافي بقولهم:
- “شعرت أن شيئًا ما تغير بداخلي، وكأن ثقلًا انزاح عن كتفيّ”،
- “لقد سمح لي بأن أعيش الحياة التي خُلقتُ لأعيشها، وأن أكون سعيدًا ومبتهجًا”،
- “منحني صفاءً ذهنيًا مَكَّنَني من أن أكون أكثر حضورًا في اللحظة”،
- “أصبحت أتجاوز الأمور بسهولة أكثر الآن، وصرت أكثر صلابة..”.
الأمر لا يقتصر على ما نتخلى عنه… بل على ما نكسبه بالمقابل. هذا هو وعد التعافي.
انا لمبكي، دكتورة في الطب
